Thursday, August 10, 2017

فيلم "شجرة الحياة": عندما يتلاقى الشعر والفلسفة في الصورة السينمائية







تيرانس ماليك، طالب الفلسفة ومدرسها في مقتبل شبابه، ومترجم بعض أعمال الفيلسوف الألماني هايدجر، والمنحدر عن أصل إيراني أو ربما لبناني من المهاجرين إلى الولايات المتحدة، عشق السينما وتحول إليها، لكنه عبر حوالي أربعين عاما لم يقدم إلا خمسة أفلام، وبينما كان يتكسب عيشه من إصلاح سيناريوهات أفلام متواضعة يرفض أن يذكر عليها اسمه، فقد حققت أفلامه القليلة شهرة واسعة، لكنه أبى أن يكون له في هذه الشهرة نصيب، فهو يفضل أن بنزوي ويختفي عن أنظار الصحافة الفنية، وهو لا يحضر أبدا استلام أية جائزة تحصل عليها أفلامه بوفرة، كما حدث في مهرجان "كان" الأخير، الذي فاز فيه فيلمه "شجرة الحياة".
وإن كان هذا يمثل بالنسبة لك لغزا، فاللغز الأكبر هو أفلامه ذاتها، التي تبدأ بفيلم "الأراضي البور" (1973) الذي كان في جوهرة أنشودة رثاء للطفولة، مثلما كان "أيام الجنة" (1978) رثاء للبراءة، وأتى "الخط الأحمر الرفيع" (1998) ليتخذ من الفيلم الحربي مبررا لطرح أسئلة الوجود الكبرى، وأخيرا "العالم الجديد" (2005) عن لقاء الحضارات الأصلية بالحضارات المعاصرة. إنها أفلام لا تشبه أفلاما أخرى، وإن أردت مني أن اذكر لك ما هو وجه اختلافها فيكفي أن أقول لك أن كلا منها يمثل سؤالا حائرا في أعماق صانعها، وهي جميعا تكرر نفس السؤال المرة بعد الأخرى، لأنه لا يجد إجابة شافية، ولعله في ذلك يتلاقى – ولا نقول يتشابه – مع مخرجين قلائل في تاريخ السينما، مثل البولندي أندريه فايدا والألماني فيم فيندرز، فالسينما عندهم هي أداة للبحث في أي شيء وكل شيء، بحيث لا تجد خطا فاصلا بين ما هو روائي وما هو تسجيلي، وما هو تأثيري أو سيريالي، وما هو تجريبي أو تجريدي. وفي كل أفلام تيرانس ماليك سوف تجد هذا البحث متجسدا في "مونولوج" داخلي، يتوزع على الشخصيات جميعا، ولأن هذا المونولوج في حقيقته ليس إلا ما يهمسه ماليك لنفسه، فسوف تعجز أحيانا عن أن تحدد من بين شخصيات الفيلم من هو صاحب التعليق الآتي من خارج "الكادر".
إنه مونولوج متصل وإن سمعته متقطعا، يبدو كأنه حديث الإنسان، الهامس أحيانا، الصارخ أحيانا إخرى، لقوة أو قوى مجهولة لا يعرفها بشكل يقيني، إنه يتحدث إليها وإن كان ينتابه الشك أحيانا في أن أحدا يسمعه وينصت إليه، وذلك تجسيد للمشاعر الوجودية التي تجعل المرء ضعيفا ووحيدا ومهجورا في هذا الكون. لكن  هذه "الفلسفة" لا تأتي أبدا عند ماليك في شكل أفكار مجردة، بل في شكل "صورة" محسوسة وملموسة على نحو يلمس أعماقك، إنها صورة تحقق الشعر في السينما، من خلال القدرة على التجسيد والتجريد والتكثيف معا، وتتركك لكنها ترفض أن تغادرك، فسوف تبقى معك أياما بعد مشاهدة الفيلم، تؤرقك وتبعث بداخلك نفس الأسئلة التي أرقت ماليك وقضت مضجعه.
ولأن الصورة تأخذ المركز الأهم عنده، فإن الحبكة القصصية تتراجع لتصبح مجرد نقطة الانطلاق لتأملات لا تنتهي، وفيلم "شجرة الحياة" يبدأ بالفعل وينتهي بصورة واحدة غامضة: الظلمة يشقها الضوء المائل للاحمرار والذي يتراقص ويتخذ أشكالا تجريدية، وتتداخل أصوات الطيور مع لحن كورالي، وصوت تعليق من خارج الكادر: "أمي، أبي، شيء ما قادني إلى بابكما". ليس لهذه الصورة تفسير محدد، لكنها توحي ببداية التكوين كما جاءت في الديانات الكتابية، خاصة أنها تأتي مباشرة بعد آيات من سفر النبي أيوب، على لسان الله وهو يحدث أيوب فيما يشبه اللوم على جهله أو تجاهله: "أين كنت حين أسستُ الأرض ... على أي شيء قرّتْ قواعدُها ... عندما ترنمت كواكب الصبح معا وهتف جميع بني الله" (أيوب 38).
حقا، أين كان الإنسان؟ وهل لأنه لم يكن موجودا فإنه يحق له أن يتجاهل المعجزة أو يقلل من شأنها؟ يبحث العلم كثيرا في بداية خلق الكون، وتتعرض الآن آخر نظرياته عن "الانفجار الكبير" للتشكيك، وهذا الشك هو ما يبرر وجود الفلسفة، التي ينقلها ماليك هنا للفن. وقد يفكر أغلب الناس في أن تلك قضايا ثانوية، أو هي من شأن الغيب، لكن هناك من يهتز فَرَقَا ورعبا عندما يداهمهم هذا الغيب بإحدى المعجزات الصغيرة الكبيرة مثل الميلاد والموت، اللذين يمران أيضا بدورهما مرور الكرام عند العامة كأنها قضايا مسلمة بها، لكن ماليك يجعلها محور حبكة الحدوتة، إن كان في الفيلم أية حدوتة على الإطلاق.
لم أرَ عملا فنيا يملك كل هذا القدر من الطموح على طرح القضايا الكونية إلا عند نجيب محفوظ، الذي مايزال ينتظر الكثير من الكشف والاكتشاف، ولكاتب هذه السطور منذ ربع قرن دراسة نقدية عن رواية "قلب الليل" التي قد لا ترقى فنيا لمصاف روايات أخرى له، لكنها تحمل بذور الأسئلة الأكبر في تاريخ الإنسانية، حيث يتلاقى ما هو كوني مع ما هو تاريخي، ويمكنك أن تجد أحد هذه الأسئلة في بداية فيلم "شجرة الحياة" من خلال تعليق من خارج الكادر: أي طريق نختار؟ طريق الطبيعة أم طريق النعمة (أو طريق الله)؟ طريق الاستسلام لقوانين الطبيعة أم لتعاليم الأديان (إن كان هناك تناقض بينها حقا)؟ طريق إشباع غرائزنا الأساسية أم كبح هذه الغرائز والسيطرة عليها؟
"النواة" القصصية في الفيلم ليست إلا حكاية ولادة صبي، ونموه وسط أسرة أمريكية من الطبقة المتوسطة، التي تعيش في مناطق الضواحي عند منتصف القرن الماضي، ولعلها مقتبسة عن بعض ذكريات ذاتية لتيرانس ماليك نفسه. إننا في بداية الفيلم نشاهد حالة هي أشبه بالحياة في الفردوس، جنة عدن، أو ما قبل السقوط إلى الأرض. الكاميرا تطير وتطفو على نحو ناعم غريب، كأنها عين راعية تعرف كل شيء وتسهر عليه وتوجد في كل مكان، وهناك أب (براد بيت) وأم ( جيسيكا شاستين) وأطفالهما الذكور الثلاثة،  يتأرجحون ويلعبون في استرخاء واستمتاع كاملين. وكما حدث في الجنة، ينتهي كل ذلك على نحو غامض، عندما يصل للأسرة خبر عن موت أحد أبنائها.
صدقني إن قلت لك أنني لا أعرف – برغم أنني شاهدت الفيلم مرات عديدة – أين يقع هذا الحدث وسط مسار الأحداث، لكنه هنا يقع في البداية، ليمثل "السقوط" من الفردوس إلى الأرض، ويجسد المفارقة الإنسانية الأكبر، إن هذا الفقدان مؤلم لكن الحياة تمضي ... هل هذا شيء طيب أم سيء؟ إن الله (أو الطبيعة عند البعض) تعطي ثم تأخذ، إنه – كما جاء على لسان الجدة – ولسبب ما يرسل الذباب لجروح كانت تنتظر شفاءها، فما هو السبب؟ ما هو السر؟ هذا ما يعيشه الابن الأكبر (شون بين) الذي نراه الآن وسط مبانٍ عصرية تتناقض تماما في خطوطها وألوانها عما عاشه في طفولته، وإن كانت قراءتنا صحيحة فإنه الآن على"الأرض" بعد سقوطه من الجنة الأولى.
ربما كان الفيلم كله بعد هذه النقطة هو تداعيات من ذكريات هذا الابن، أو لعلها تأملاته وتأملات ماليك نفسه، وهي التأملات التي تبدأ بسرب هائل من الطيور التي تحوم في السماء، ويأخذ السرب أشكالا منسابة متعددة تشبه إلى حد كبير فنون التلاعب البصري (أوب آرت)، فتسأل نفسك: هل ذلك يحدث وفق قانون أم أنها المصادفة؟! إنه السؤال الذي ينطبق على سر الخلق ذاته، الذي سوف يبدأه ماليك معك في سلسلة مبهرة بحق من الصور التي قد لا تجدها إلا في أرقى الأفلام التجريبية: الضوء يشق الظلام، ويتخلق الدخان والموج والأضواء والظلال، وقطرة ملونة تنتشر في الماء فتصنع أشكالا كأنها السديم الذي يأخذ أشكالا معجزة، وحمم بركانية تتدفق، والنيران وألسنة اللهيب، ومن كل ذلك تنمو ما يشبه الكائنات الأولى التي تزداد تعقيدا وهي تسبح في البحار، فلا تملك إلا أن تقول: يالروعة معجزة الحياة!!
من قلب هذه المعجزة يولد سؤال: هناك في المروج ديناصوران بداائيان، من الواضح أن أحدهما يحتضر، يشمه الآخر ويمضي إلى حال سبيله، فهل الحياة الرائعة في إعجازها هي أيضا بهذه القسوة؟ هل الحياة قوة دافعة لا تعرف ولا تعترف إلا بقوتها واستمرارها حتى أنها لا تعبأ بالموت أو الموتى؟ كان هذا هو السؤال الدائم في أعماق تيرانس ماليك حول التناقض بين الروعة والقسوة، وهذا ما سوف يعرضه لك فيما يشبه سردا تسجيليا لحياة الصبي الأكبر للعائلة، وهي الحياة التي تتلاقى في الكثير من خطوطها وخيوطها مع حياة أغلب البشر، إن لم يكن البشر جميعا.
دعني أعرض لك طرفا من هذه الوقائع العادية وغير العادية في آن واحد: الأب والأم شابان متحابان في مقتبل العمر، وصورة أيقونية تتردد في معظم أفلام ماليك لستائر النافذة تؤرجحها الريح، والأب يلمس بطن الأم الحامل في حنان، وخروج الابن إلى الدنيا في استعارة سيريالية كأنه يخرج من قلب الماء، ويد الأب أو الأم تحتضن قدم الوليد فلا تكاد أن تبلغ في طولها إصبعا، ومرة أخرى تهمس بينك وبين نفسك: يالروعة الحياة!! في حضن الأم يبدو العالم كأنه النعيم، ويرعاه الأب في مشيه، وتعلمه الأم الكلمات الأولى، وفراشة تحط على يد الأم، وتقترب قطة في توجس.
وعند قدوم طفل آخر يبدأ هذا الفردوس في التلاشي، وتظهر الغيرة في عيني الطفل الأكبر، ويحوم القلق فوق هذه الجنة الأرضية الصغيرة، وإذا كانت الأم  تمثل الحنان الهادئ، فالأب هو الأوامر الصارمة. وعندما يصبح الأطفال ثلاثة، ويكبرون قليلا، تشعر كأنك تشاهد عائلة من الأسود مثلا، حيث الأشبال تلهو في مرح ممزوج بالعنف، كأن الطبيعة تدربهم على قسوتها، ويشارك الأب في هذا التدريب كأنه يشحذ مخالب صغاره، وتراه أحيانا وحيدا يرقب الفضاء من حوله لأنه يريد أن يحمي العائلة من الأخطار المحتملة (إنني أطلق على ذلك "الإحساس الديكي"، لأنني في طفولتي كنت أرى الديك لا يتمتع بالأكل أبدا، إنه يقف منتبها دائما، يلقط بين الحين والآخر حبة ذرة، بينما الدجاجات من حوله منهمكات في التهام الغذاء!!)، كما ترى الأم تستمتع باللهو مع أطفالها كأنها عادت هي الأخرى إلى طفولتها.
وفي مسحة من علم النفس، الذي تتردد أصداؤه أيضا في بعض نظريات علم الاجتماع عند القبائل البدائية، تلمح الصراع الخفي بين الابن والأب، إن الابن يفكر في لحظة عابرة في "قتل الأب"، كأن العالم مع الأم وحدها سوف يصبح أفضل بدونه، كما يعرف الابن أحاسيسه الغريزية الأولى باستراق النظر إلى الأم، وتزداد خشونة الابن في ألعابه. هل هذا "الأب" – وضف إلى ذلك رمز الأبوة في الأفكار الميتافيزيقية – قاسٍ أكثر من اللازم، أم أن هذه القسوة تعبير عن الحنان العميق؟ هل يريدنا "الأب" أن نكون نسخة منه برغم أن ذلك مستحيل وغير إنساني؟ وهل في تلك الرغبة ما يشير إلى أنه لم يستطع أن يحقق ذاته فأراد تحقيقها من خلالنا؟
قد تبدو لك تلك الرحلة على الورق مجردة، لكنها في الحقيقة مجسدة في صور لن تنساها أبدا، وفيها خلاصة القلق الوجودي عند ماليك وعند الكثيرين منا حتى لو لم نعترف بذلك. إن هذا القلق يجد حلا من خلال فكرة الحياة من جديد، عندما يتلاقى السابقون واللاحقون عند البعث، الذي يصوره الفيلم في مشهده الأخير والابن الأكبر في كهولته يمضي في طريق من صحراء جبلية قاحلة، ويدخل من باب خشبي بلا بناء، فإذا به يسير على لسان من الأرض وسط البحر يقوده الصبي الذي كانه في طفولته، وأسراب من البشر تتلاقى، هنا يلتقي بأمه وأبيه شابين في مقتبل عمرهما، وبأخويه اللذين رحلا (حتى الآن لا أعرف إن كان الاثنان الآخران قد ماتا أم واحد فقط!!)، ويشمل الجميع فرح عذب لا ينتهي.
وكما بدأ الفيلم  بالضوء الذي يشق الظلام فإنه ينتهي به، عودا على بدء، فلا تدري إن كنت قد شاهدت فلسفة أم شعرا أم مزيجا رائقا راقيا منهما. وفي إشارة بالغة الذكاء والخفاء نرى الأم في لقطة تذكرك كثيرا ببطلة فيلم إنجمار بيرجمان "بيرسونا"، وكأنها إشارة ولاء من ماليك للسينمائي الفيلسوف بيرجمان، الذي يشترك معه في همومه الوجودية، بما يبعده أيضا عن مقارنته مع ستانلي كوبريك، الذي سوف يحلو للكثير من النقاد تشبيه فيلم "شجرة الحياة" مع "أوديسا الفضاء 2001"، لكن الحقيقة أن كوبريك يبدأ فلسفته بالتشاؤم من مصير الحضارة الغربية، أما تشاؤم تيرانس ماليك فهو ليس تشاؤما حقيقيا، أنه رغبة في الكشف عن قانون الوجود والحياة، فربما بعد أن نعرفه سوف نرتاح بالاستسلام له، الاستسلام للصراع بين ما نسميه الخير والشر، واللذين قد يكونان وجهين لجوهر واحد.
ألم أقل لك أنه فيلم ليس هناك الكثير من الأفلام التي تشبهه؟!    

أسطورة التصنيف العمري للمسلسلات: ماذا يملك المتفرج أن يفعل؟



                                  
                                                        

ظهرت في الموسم الرمضاني الأخير للدراما التليفزيونية "موضة" بدت للوهلة الأولى حلا لمشكلة ملحة، فبسبب الشكاوى المتكررة، سواء من أفراد أو مؤسسات، من احتواء المسلسلات على مضمون قد لا يكون مناسبا للمتفرج، الذي يفاجأ في هذا المشهد أو ذاك بما لا يجب أو لا يحب أن يراه أطفاله مثلا، فقد اخترع صناع الدراما حيلة "التصنيف العمري"، التي تحاكي – جزئيا – ما تصنعه دول أخرى، وهي ظهور علامة في بداية المسلسل، أو حتى قبل ظهور المشهد المثير للجدل، تقول رأيهم في عمر الجمهور الذي يفترض أنه يمكن أن يتعرض لمثل هذا المضمون، لكن تلك الحيلة لن تعني في حقيقتها، بهذا الشكل الذي نستخدمه، سوى إلقاء الكرة في ملعب الجمهور، وكأن صناع الدراما يقولون للمتفرج: ها نحن قد أدينا واجبنا وحذرناك، وعليك الباقي!
نحن في الحقيقة نكرر نفس الخطأ الذي نرتكبه في كل المجالات، وهو أننا نقرأ نصف النظرية، ونهمل نصفها الثاني، أو قل نأخذ منها جانبها السهل، بينما نتعمد أن نترك الجانب الذي تقع فيه مسئوليتنا. فهذا الحل الوهمي لمشكلة ما يجب أن يعرض على شريحة عمرية معينة دون الشرائح الأخرى، يكتفي بالمقولة السخيفة: "الريموت" في يدك، إن لم يعجبك ما نعرضه لك غيّر القناة. نقول إنها مقولة سخيفة لسبيين، الأول هو أن التخطيط البرامجي للأغلب الأعم من قنواتنا التليفزيونية لا يراعي مطلقا مناسبة توقيت إرسال مادة بعينها على شريحة عمرية محددة، فكل تليفزيونات العالم تخصص – على سبيل المثال – فترة الصباح للأطفال قبل سن المدرسة، والساعات الأولى من ما بعد الظهيرة للشريحة التالية التي تكون قد عادت من مدارسها، لكن تليفزيوناتنا لا تعترف بهذا التخطيط، فنفس المادة التي تعرض في المساء هي ذاتها التي يعاد عرضها في الصباح التالي. أما السبب الثاني فهو أننا اعتدنا، نحن أولياء الأمور، على أن نقوم بتشغيل التليفزيون للأطفال، كنوع من الإلهاء والتسلية لهم، وحتى يتركونا نؤدي أعمالنا، فقل لي بالله عليك كيف تحمي طفلك من مواد تليفزيونية غير مناسبة يتم عرضها في غيابك؟ وماذا تجدي علامة التصنيف العمري عندئذ؟
هناك إذن شيء ناقص في هذه المعادلة، وهو أن نملك "القدرة" أو "السلطة" على التحكم في عرض ما نراه مناسبا دون الآخر، أو بكلمات أخرى إذا كان التصنيف العمري يشبه النظام الديموقراطي، الذي يتيح لك الاختيار، فما هي "الأداة" أو "الوسيلة" التي يمكن بها تطبيق هذه الديموقراطية؟ سوف نؤجل الإجابة عن هذا السؤال بالغ الأهمية في هذا السياق إلى آخر المقال، لكن دعنا أولا نلقِ نظرة على مفهوم التصنيف العمري للمواد التليفزيونية، وهو مفهوم ينطبق على أي مادة يذيعها التليفزيون، فيما عدا نشرات الأخبار والفقرات الإعلانية، أي أنه ينطبق على البرامج الحوارية والمنوعات أيضا.
يقترب مفهوم التصنيف العمري للمواد التليفزيونية كثيرا من ذلك الذي يتم تطبيقه في عالم السينما، وهو يهتم بمضامين محددة مثل الجنس، والعنف، واللغة البذيئة أو الفاحشة، أو المواقف التي تحتوي على إيحاءات جنسية، أو استخدام الخيال في مشاهد العنف (كما يحدث كثيرا في أفلام التحريك الموجهة للأطفال)، والأكثر جدلا هو المواد التي تحتوي على أفكار معقدة تحتاج إلى عقل ناضج لاستيعابها. وبدلا من استخدام أسلوب "الرقابة" التقليدية، المفروضة من مؤسسة ما، يُكتفى بتصنيف المادة حسب ما يلائمها من أعمار المشاهدين، خاصة أن تجربة الرقابة عند التطبيق العملي قد تواجه معايير غير دقيقة للحكم، أو بالأحرى فإن لجنة رقابية ما قد تسمح بما حظرته لجنة أخرى، بسبب كون التقييم يخضع للتقدير الشخصى المطاط، لذلك فإن استخدام التصنيف العمري هو الأنسب، وهو الذي يترك الأمر في نهاية المطاف بين أيدي أولياء الأمور، مع مراعاة الشرط الذي أشرنا إليه سابقا، وهو منحهم الأداة التي يمكنهم بها حرية الاختيار.
والتصنيفات العمرية الأشهر في هذا السياق هي ما يتم تطبيقه في الولايات المتحدة، بنظام تم تطبيقه منذ يناير 1997، ويقضي بعرض علامة في أعلى يسار الشاشة لمدة خمس عشرة ثانية في بداية المسلسل أو البرنامج، وهذه العلامة تخبر أولياء الأمور بالشريحة العمرية المناسبة، مع إتاحة الفرصة لمعرفة هذا الأمر قبل ذلك بالطبع من خلال الصحف والمجلات التي تهتم بالتليفزيون بتوضيح هذه المعلومات مسبقا. وهذه التصنيفات هي: لكل الأطفال، للأطفال فوق السابعة من العمر، لكل الأعمار، للأطفال في وجود شخص بالغ، للمراهقين فوق الرابعة عشرة من العمر، وأخيرا للكبار فقط أي ما فوق السابعة عشرة من العمر. وقد ينطبق تصنيف ما على إحدى حلقات مسلسل دون بقية الحلقات، لكنه لا يستخدم – كما هو الحال عندنا في نوع من إبراء صناع العمل لذمتهم – في مشهد ما بعينه داخل حلقة، لكنك سوف ترى بقدر قليل من التأمل كيف أن معظم مسلسلاتنا تحتوي حتى في أدق تفاصيلها على ما يجب خضوعه للتصنيف العمري، وما يحتم ضرورة تمكين المتفرج من عرض مادة دون أخرى على شاشة جهازه التليفزيوني.
فلنبدأ بما يقولون أنه "كوميديا"، في تلك المسلسلات التي يفترض أنها تذاع بعد الإفطار مباشرة، في الفترة الأكثر مشاهدة بالنسبة للصغار. لقد أصبحت الكوميديا في المسلسلات المصرية تعني الغلظة، والفجاجة، وهو ما يظهر واضحا للعيان في ميل الممثلين للمبالغة الممجوجة، لكن الأمر يتعدى التمثيل ليطال مضمون هذه الأعمال "الكوميدية" ذاتها. وسوف تستولي عليك الحيرة حقا من أن معظم هذه الأعمال يتناول العلاقة بين الرجل والمرأة، على نحو يكرس النظرة التقليدية للمرأة. وفي مسلسلي "هربانة منها" و"ريّح المدام" سوف يكون "الفورمات" أو الشكل الذي تقوم عليه الدراما هو الحلقات المنفصلة المتصلة، التي تتناول في أغلب الأحوال زوجة متمردة ومحاولات زوجها ترويضها.
وبالإضافة إلى ما يندرج تحت "الأفكار المعقدة" التي تقتضي الخضوع للتصنيف العمري، يحتوي المسلسلان على محظورات رقابية قد لا تصلح حتى للكبار فقط. ففي "ريّح المدام" هناك على الدوام لغة بالغة البذاءة تستخدمها كل الشخصيات، مع السخرية من شخصيات حقيقية، ناهيك عن استخدام البلاهة – بالمعنى الحرفي للكلمة – كعنصر يفترض أنه كوميدي، مثل الطبيب النفسي (أكرم حسني) الذي يجد لذة في أن يدفع مرضاه للانتحار، أو الإيحاء الجنسي البذيء مثلما يحاول البطل (أحمد فهمي) أن يقنع أمه (رجاء الجداوي) أنه ابنها، فيصرح لها بسر يعرفه كلاهما: :"أبويا خانك مع الشغالة وأنا عندي تلات سنين"!! وبالطبع فإن هذه اللغة الفجة سوف تسود أيضا "هربانة منها"، بنكات لا توحي بأي فكاهة: "الأسانسير وقع عليه بقى زي التونة المفتتة"، أو اعتراف رجل بأن امرأته تخونه: "مراتي بتستغل سفري كتير ومقضياها مع عشيقها أعز أصحابي"، أو حتى الإيحاء بالشذوذ الجنسي عندما يسأل البطل (مصطفى خاطر) أحد أفراد عصابة ما: "مالكش في الستات، أومال مالك في إيه؟".
بالقطع فإن مثل تلك اللغة والأيحاءات يجب ألا تصل لأسماع وأنظار أطفالنا، لكن الأمر كما ترى ليس بيدنا، لأن صناع هذه الأعمال قاموا بما يتصورون أنه حدود مسئوليتهم، ووضعوا علامة التصنيف العمري!! إن الأمر يزداد سوءا مع أردأ أعمال أحمد مكي الذي كان قريبا من قلوب الجماهير، خاصة الأطفال، في شخصية "الكبير قوي"، إنه يظهر هذا العام في مسلسل خيال غير علمي على الإطلاق، يمارس فيه بعضا مما يهواه من التقليد الساخر لأنماط فيلمية معينة، هي هنا أفلام ما بعد دمار العالم، لكن مرة أخرى يغرق المسلسل في اللغة البذيئة، وتميل المواقف إلى الفظاظة، بل يحلو للمسلسل بين الحين والآخر العودة لمشاهد العنف والتعذيب، أيضا فيما يفترض أنه كوميديا!
يقف "عفاريت عدلي علام" موقفا أشبه بـ"السَلَطة البلدي"، فهو خيال غير علمي، وسياسة، لكن هل خطر على بال أحدهم ما يمكن أن يستقر في ذهن الأطفال – أو حتى بعض الكبار – وهم يتفرجون على عمل يحكي عن العفاريت؟! إن التأثير النفسي لمثل هذه التيمة لن تكون سوى اقتناع الأطفال بما تمارسه العفاريت في التحكم في أقدارنا، وليذهب أي تفكير علمي إلى الجحيم! (في أحد المشاهد الأخيرة يجد صناع المسلسل لذة في مشهد عذاب العفريتة –  غادة عادل - وهي تختفي إلى الأبد من حياة البطل عادل إمام).
قارن ذلك الرعب في أحد المشاهد بالرعب المستشري في "كفر دلهاب"، ولتضف إلى ذلك غموضه وتعقيد موضوعه، واحتوائه على مشاهد التعذيب والقتل بالذبح على الشاشة، وجاذبية خيال السحر والسحرة. بل إن مسلسلا "يبدو" جيدا مثل "واحة الغروب" يقع أيضا في مأزق الموضوع المعقد (في الحقيقة أنه الموضوع الذي فشل صناع المسلسل في أن يجدوا له تيمة محورية)، والمعارك الدموية، والعنف ضد المرأة، ومشاهد الموت البطيء وطقوس الدفن!
كثيرا ما أشرنا إلى عيب أصيل في أعمالنا الدرامية، وهو تصور أن مشاهد الصراخ والبكاء والعويل والموت ضرورية لإقناع المتفرج بالجهد المبذول في العمل، وقد يقول لك البعض إن معظم أعمال شكسبير تتضمن العديد من القتلى، لكننا نذكرهم فقط أن شكسبير لم يكن يلتذ بعرض هذه المشاهد على المسرح مباشرة، فكم مرة – مثلا – شاهدت "ماكبث" وهو يقتل خصومه؟ وحتى في عمل آخر نال استحسانا مثل "ظل الرئيس"، تناثرت الجثث في مشاهد تفصيلية، بعد معارك ليس فقط بإطلاق الرصاص ولكن أيضا بالمصارعة والملاكمة. إنه العنف الذي ساد أيضا في "كلبش"، وزادت عليه الشتائم واللغة السوقية، حتى أن بعض الحلقات احتوت على مشاهد متتالية، بها شخصيات مختلفة، لكنها تشترك جميعا في تبادل السباب على طريقة "وحياة أمك" و"يا ابن الحرام" وما هو أكثر قبحا.
وبالطبع فإن الجنس سوف يتناثر هنا وهناك، سوف تجده في "الحرباية" لأنه جوهر وجود هيفاء وهبي كبطلة للمسلسل، وسوف تجده في "رمضان كريم" في الخيانات الزوجية، وفي "أرض جو" في زوجة مالك شركة الطيران التي تعشق زوج ابنتها، أو صاحب الشركة الذي يعين موظفا لرغبته في البقاء قريبا من زوجة الموظف. ليست هذه كلها سوى "بعض" الملاحظات التي تقتضي تصنيفا عمريا، لكن حان الوقت لكي نعرف الوسيلة للاستفادة الحقيقية منه.
لقد جاء الحل فيما يسمى "رقاقة أو شريحة في" V Chip، وهي شريحة إلكترونية أصبحت موجودة في "كل" أجهزة الاستقبال التليفزيوني في أمريكا وكندا والبرازيل منذ بداية عام 2000، وهي تمكن أولياء الأمور من إيقاف استقبال جهاز التليفزيون لشريحة عمرية ما، وضبطها لكي تلائم الشرائح الأخرى، ولكن هذا يقتضي أن تعمل محطات الإرسال ذاتها بطريقة التشفير، الذي يتيح عمل هذه الرقاقة، أي أن المسئولية مشتركة، فالإرسال ملائم لشريحة عمرية بعينها، ويبقى على ولي الأمر أن يترك الاستقبال مفتوحا أو يوقفه.
هذا ببساطة هو أسلوب الحياة في المجتمعات الديموقراطية الناضجة، السلطة تتيح لك الاختيار، لكن الأهم هو أن تعطيك الوسيلة لتطبيق هذا الاختيار، وأرجو أن يكون هذا الأسلوب الديموقراطي هو اختيارنا في المستقبل القريب. 

Monday, July 10, 2017

صورة الطفل والطفولة في السينما الإيرانية حامد رضا صدر ترجمة: أحمد يوسف



                      
                             



 بدأ الأطفال خلال الثمانينيات شيئاً فشيئاً يشكلون وجوداً مهماً فى السينما الإيرانية. ومن خلال استخدام بعض المخرجين للأطفال، لم يغيروا فقط من السينما الإيرانية ولكن أيضاً من رؤية إيران من الخارج. وكانت هذه الأفلام تتميز فى المهرجانات السينمائية العالمية باعتبارها تنتمى إلى "موجة جديدة" فى السينما الإيرانية. وكانت تنال المديح باعتبارها أعمالاً فنية غير تجارية، ذات شكل ورؤية جديدين. والأطفال فى هذه الأفلام تمكن رؤيتهم على نحو أكبر باعتبارهم ذاتاً بديلة عالمية شاملة، كما أنهم قدموا نقيضاً لرؤية إيران غير المتمدينة التى كانت تروج لها وسائل الإعلام الأجنبية طوال العقدين السابقين.
وفى أعقاب سنوات الحرب مباشرة، قدمت أفلام الواقعية الشعرية – خاصة أفلام عباس كياروستامى – رد فعل فورياً للرغبة فى نفس الميراث المادى والأيديولوجى للعنف. واستخدام الأطفال فى هذه الأفلام أدان فظائع الحرب، أو تناول تيمات تتعلق بإعادة البناء مثل الفقر، والبطالة، ونقص المساكن، والصراع الاجتماعى. وعلاوة على ذلك، فمن خلال اتساع نطاقها الاجتماعى والجغرافى مثلت محاولة لإعادة تعريف معالم الهوية القومية والثقافية. لقد كانت هذه الواقعية تلائم مزاج إيران ما بعد الحرب: رغبة جماهيرية لرؤية أكثر صدقاً لإيران. ونجحت هذه الواقعية فى أن تأخذ السينما الإيرانية بعيداً عن منطقة الميلودراما، لتضعها حيث يجب أن تكون فى الشوارع ومع الناس العاديين.
إن الواقع مفهوم مراوغ فى أفضل الأحوال، وفهمنا له هو بشكل ما أمر ذاتى. والواقعية فى سياق هذه الأفلام توحى بالأخلاق والصدق فى الهدف أكثر من الالتزام الصارم بمبدأ الملاحظة المحايدة للظواهر الاجتماعية، وهى فى حالة أفلام عباس كياروستامى – التى تستخدم الذاتية الشخصية – تقلب مفهوم الموضوعية. والسينمائيون الذين عرضت أعمالهم خارج إيران خلال تلك الفترة (من المخضرمين مثل أمير نادرى إلى كياروستامى والمخرجين الأصغر مثل محسن مخملباف وابنته سميرة) كانوا ملتزمين نظرياً بالواقعية، ومع ذلك فإنهم لم يقدموا واقعاً خاماً. وكان ذلك يعود جزئياً إلى أن الواقع قد مر من خلال النظم السينمائية الجديدة، أحياناً كأداة للتعليم، وفى بعض الأحيان عكس اهتماماً بتطوير السينما كشكل فنى. وبالإضافة إلى ذلك، فإن استخدام الشخصيات والتيمات المعاصرة، والتركيز على الطبقات الدنيا، واختيار ممثلين غير معروفين وغير محترفين كشخصيات أصيلة، ميز هذه الأفلام عن الأفلام التجارية لتلك الفترة. ومع ذلك فإنها قدمت تناقضاً مثيراً للاهتمام. فمن ناحية، كان الفن الأسلوبى والسرد الروائى يشكلان انحرافاً عن الحياة الحقيقية، ومن ناحية أخرى كان يمكن رؤيتها كانعكاس لواقع غريب يميز إيران. وعلى سبيل المثال، فإن فيلم "التفاحة" (1998) لسميرة مخملباف، و"الحياة تستمر..." (1990) لكياروستامى، كانا تقريراً فنياً شخصياً، وفى الوقت ذاته فيلمين عن إيران المعاصرة.
إن قصصاً بسيطة مثل بحث طفل عن صديقه المفقود، أو عن مال مسروق، أصبحت شائعة فى تلك الفترة. وإذا كان للمرء أن يحدد أهم السمات لسينما إيران ما بعد الثورة، فإن من السهل فهم كيف أصبح الأطفال فى المقدمة. وهذه السمات تتضمن التخلى عن أغلبية الممثلين والممثلات المعروفين فى صناعة السينما، وعدم وجود الجنس، والغناء، والرقص. لقد أصبح من الأصعب الحصول على سيناريو وافقت عليه الرقابة، كما تم التخلى عن كثير من القوانين والرموز التى استخدمت فى عصر الشاه.
ولم يكن ظهور الأطفال فى أفلام الثمانينيات أمراً متفرداً فى إيران وبلاد أخرى مثل البرازيل، وفرنسا، والسويد، ويوغوسلافيا، والتى كانت تقوم بالتجريب بموضوعات مشابهة. لكن هذه التقاليد فى إيران كان لها جذورها التى تعود إلى أواخر الستينيات، عندما تأسست وكالة حكومية معروفة باسم "مركز التنمية الذهنية للأطفال والشباب الصغير" (وعرفها الإيرانيون باسم "كانون")، وتأسست من أجل صنع ونشر كتب للأطفال والصغار. وبدأت هذه الوكالة بإنتاج أفلام قصيرة وتحريك، واستخدمت قليلاً من المخرجين وفنانى التحريك فى البداية، لكن النتائج الأولى كانت مختلفة تماماً عن الأفلام التجارية لتلك الفترة.
وبعد الثورة، استمرت وكالة "مركز التنمية الذهنية" فى نشاطاتها على مجال أصغر بسبب مشكلات مالية، رغم أن قليلاً من أفلامها عرضت فى دور العرض. وقامت بين عامى 1980 و1990 بصنع عدد قليل من الأفلام الروائية الواقعية حول موضوع المشكلات الاجتماعية، وضمت هذه الأفلام فيلم كياروستامى "أين منزل صديقى؟" (1987)، و"الواجب المدرسى المنزلى" (1989)، وفيلم بياضى "باشو، الغريب الصغير". وهذه الأفلام التى تدور حول مشكلات الأطفال هى من بين كلاسيكيات السينما الإيرانية المعاصرة. وهذا النوع من صناعة الأفلام، الذى يعتمد على نموذج "مركز التنمية الذهنية"، ويستخدم ممثلين غير محترفين فى دراسات للحياة اليومية، اكتسبت قوة بسبب النجاح الهائل الذى حققته أفلام كياروستامى خارج إيران.
يقوم فيلم "الواجب المدرسى المنزلى" على إجراء مقابلات مع تلاميذ المدارس الصغار. ويبدو كأنه يركز على مشكلاتهم مع الواجب المدرسى، لكن تيماته تمتد إلى مسائل أعمق تتعلق بالعائلة والمجتمع، وأوجه الحرب، وعسكرة المجتمع الإيرانى. وكان فيلم إبراهيم فوروزيش "المفتاح" (1986) – الذى أنتجته الوكالة أيضاً – قد حقق نجاحاً كبيراً فى المهرجانات العالمية، وهو يحكى قصة بسيطة حول طفل ذى أربعة أعوام يتولى مسئولية أخيه الرضيع بينما أمه خارج المنزل. وكل الحدث – الذى لا تكاد الكاميرا فيه أن تغادر الغرف الضيقة للمنزل – يدور حول جهود الطفل لكى يجد مفتاح الباب الرئيسى. وكل فعل وموقف يمكن رؤيته كجزء من لغز، وانعكاس للحياة الإيرانية. وعلى سبيل المثال فإن الطفل يمثل الجيل الأصغر، بينما سلسلة الكبار الذين يتواصل معهم من النافذة يمثلون طبقات مختلفة من المجتمع. وفيلم فوروزيش "الرجل الصغير" (1994) يدور حول صبى ذى اثنى عشر عاماً، وابن لعائلة مزارعة، يقرر أن يساعد أمه باستخدام أرض مهجورة من أجل تحويلها إلى حديقة. وعنوان الفيلم يشير إلى المسئولية التى يضعها على عاتقه.
وهذه الأفلام تصور التغيرات التاريخية التى تحدث فى إيران خلال الثمانينيات والتسعينيات، وفيها يمثل الأطفال الشعب الإيرانى. إن هذه الأداة الرمزية للطفل الرقيق، المثالى البرئ، والذى يعمل عملاً شاقاً، كانت تستخدم لإعطاء أفكار مجردة بعينها، مثل البراءة المفقودة فى عالم تتحكم فيه السياسة، بينما هى لا تبتعد أبداً عن مجال الواقعية. وأحد الأفلام الإيرانية الأولى التى تم الاحتفاء بها فى بداية الثمانينيات كان "العدَّاء" (أمير نادرى، 1981). وعدم وجود معتقد سياسى جامد، وسيطرة تيمة الإنسان مقابل الطبيعة فى هذا الفيلم، منحاه جاذبية عالمية.
يتعقب نادرى نمو صبى من وجود تسيطر عليه الفوضى إلى الرجولة والنضج الروحى فى ظل ظروف قاسية. إن أميرو الوحيد يحلم بالارتحال إلى مكان مجهول. وهو يعيش فى ناقلة صدئة مهجورة على ساحل فى حى عشوائى، ويكسب قوت يومه من خلال جمع القمامة وتوزيع وبيع المياه. وبعد أن يسرق صبيان أكبر زجاجات الماء والثلج منه يتعلم أن يرد الهجوم. ويهزمهم فى سباق. والتصوير السينمائى بسيط وتقليدى، وذو تكوين محكم بما يوحى بالظروف الحياتية المزدحمة والسواحل العاصفة. إن الوعد الدائم للهروب والأبدية يتمثل فى سماء الخليج الفارسى. والبحر المرحب، وتلك أداة تخبرنا أكثر بالسياق الاجتماعى والاقتصادى للقصة مقارنة بالمحاولات السطحية بشكل ما للتحليل السياسى الذى يقوم به بطل الفيلم.
وفيلم مجيد مجيدى الأول "بادوك" (1992) يصور شقيقاً وشقيقة يتم بيعهما لتجار مخدرات عرب. إنه فيلم قاتم مرير يدور على الحدود بين إيران وباكستان، ونجح فى شباك التذاكر والمهرجانات السينمائية. أما فيلمه الثانى "الأب" (1995) فكان عن صبى يتمرد على أمه وزوج أمه. وفى هذه الموجة من الأفلام حول الأطفال، والتى بدأت بنجاح عالمى كبير لأفلام مثل "العدَّاء"، لم يكن من الغريب أن يكون أول فيلم إيرانى (من إخراج مجيدى أيضاً) يترشح لأوسكار أفضل فيلم أجنبى هو "أطفال الجنة" (1998). هناك شقيق وشقيقة، ابنان لعائلة فقيرة، يتقاسمان زوج الأحذية لكى يذهبا إلى المدرسة. وبالنسبة للأخت – التى يتسع الحذاء على قدميها – تلبسهما فى الصباح، ثم تركض عائدة لتعطيه لأخيها لفترة ما بعد الظهيرة. إن دراسة مجيدى القوية لعائلة تعيش فى قبضة الفقر تزداد قوة فى الطابع، لكن هذا الحل يتميز بجودة بصرية وسخاء وجدانى، تركا أثرهما القوى على أعضاء لجنة الأوسكار. لقد أعطى هذا الفيلم الفرصة للجمهور العالمى لكى يلاحظ شخصيات حياتها مختلفة تماماً، لكن مخاوفها هى شديدة العالمية.
والطفلة الجادة التى لا تقاوم، ذات السبعة أعوام، فى فيلم "البالون الأبيض" (1995) من إخراج جعفر باناهى، هى البطلة الجوهرية لسينما الطفل الإيرانية. إنها تضيع المال الذى أعطوه لها لكى تشترى سمكة ذهبية، فتقرر فى إصرار أن تستعيده. ومثل شخصيات أخرى فى هذا النمط الفيلمى، تتحول من السذاجة والموقف السلبى إلى حالة الفعل المتطرف. وبهذا المعنى فإن الفيلم يحمل مضموناً سياسياً متضمناً. إنها نزعة اشتراكية عاطفية، توحى بأن الفقر ليس عقبة فى عالم ناسه كلهم يتسمون بالعطف والكرم. لكن تلك هى السمة الأقل أهمية، وليست حاسمة فى نجاحه، فعاطفية الفيلم تصب فى نزعة إنسانية عالمية، والحنين الأيديولوجى والسذاجة يضيفان فقط للسحر القديم للقصص التى تحكى جيداً. وفاز "البالون الأبيض" بجائزة فى مهرجان كان السينمائى، وأصبح واحداً من أكثر الأفلام الأجنبية ربحاً فى الولايات المتحدة وأوربا.
لقد حرر الأطفال الأفلام من سيطرة الحبكة، وأدخلوا أحداثاً واهتمامات غير أساسية، مثل التسكع فى شارع، أو قضاء وقت فى منطقة ريفية. كما أنهم تفادوا القيود العديدة حول إظهار العواطف الحقيقية للكبار. ونمط أفلام الأطفال لا يعرض أى نوع من الاتساق الأسلوبى يسمح بسهولة التصنيف، لكننا فى العادة نرى العالم من خلال عينى الطفل. وفى بعض الأحيان يتحقق الحدث فى شكل مقاومة شخصيات الكبار، بما يخلق موقفاً من التحدى. والعائلة بالطبع تتلقى الكثير من الاهتمام فى هذا النمط الفيلمى، لكن دون أن تصبح الخلية الأساسية للمجتمع أو المصدر النهائى للحب، أو الدعم، أو الأخلاق، لكن يتم تقديمها ككتلة من التوتر والصراع. إن الكبار يظهرون على نحو سيئ بالمقارنة مع هؤلاء الأطفال، الذين يكتسبون طابعاً من الرومانسية الراقية ينكرها عليهم الآباء اللامبالون. إن الآباء والأمهات كما يتم تصويرهم من وجهة نظر الطفل لا يبدون يتحدثون اللغة ذاتها التى يتحدث بها أبناؤهم.

·       مقتطفات من كتاب "السينما الإيرانية: تاريخ سياسي"
·       تحت الطبع بالمركز القومي للترجمة، وزارة الثقافة المصرية