Wednesday, May 15, 2013

مستقبل السينما الرقمية هل سوف تختفي "الأفلام"؟


أرجو ألا يصدم القارئ عندما تختفي السينما المصرية أو تكاد، عندما نتحدث عن السينما الرقمية، ليس لأن السينما المصرية لا تستخدمها، وإنما لأنها لا تعرف حتى الآن إمكاناتها الحقيقية، ويكاد استخدام التقنيات الرقمية أن يقتصر على مرحلة المونتاج (في حدودها الدنيا) كما سوف يأتي لاحقا، أو لصنع سينما قليلة التكاليف، يطلقون عليها خطأ مصطلح "السينما المستقلة"، كما هو الحال في أفلام مثل "عين شمس" و"هليوبوليس"، وإن كان معظم السينما المصرية "مستقلة" بالمعنى الدقيق للكلمة!! دعنا في البداية نقدم تعريفا بسيطا للسينما الرقمية. هناك العديد من المصطلحات في هذا الفن نشأت لأسباب غريبة، ثم أصبحت واقعا لا نسأل عن سبب وجوده، فمصطلح "سينما" على سبيل المثال هو نطق خاطئ للكلمة الإغريقية "كينما" أي "حركة"، وما تزال هناك بلدان أقرب للنطق الصحيح فتطلق على هذا الفن "كينو"، كما أن مصطلح "فيلم" نشأ عن ذلك الشريط الرقيق من السليولويد، الذي تسجل عليه "كادرات" الفيلم، ويمكن لفه في بكرات تمر أولا من خلال الكاميرا من أجل التصوير، ثم من خلال آلة العرض في مرحلة مشاهدة "الفيلم". وبرغم اختفاء الفيلم (شريط السليولويد) في مشاهدة السينما في التليفزيون مثلا، أو بواسطة شريط فيديو، فإننا ما زلنا نستخدم تعبير "فيلم". لكن شيئا فشيئا تم اكتشاف أن الصورة يمكن تسجيلها وعرضها دون الحاجة مطلقا لأي "فيلم"، إذ تتحول نبضات الضوء إلى كهرباء، يتم تسجيلها على أقراص أو رؤوس صلبة (كما في الكومبيوتر كمثال للتبسيط)، وتستعاد الصورة بعملية عكسية، وبذلك أمكن مشاهدة الأفلام بطرق مختلفة تماما عما عرفناه في دور العرض، ناهيك عن مزايا أخرى عديدة، منها أننا لم نعد في حاجة للبكرات كبيرة الحجم لحفظ الفيلم ونقله، وأنت مثلا يمكنك أن تحمل عشرة أفلام في "فلاشة" صغيرة تضعها في جيبك. كما أن شريط الفيلم كان يتعرض للتلف عندما يمر مرات عديدة في آلة العرض، بينما يتيح التسجيل الرقمي استعادة المشاهدة مئات المرات دون أن تفقد الصورة نقاءها. ولكي نصنع قدرا أكبر من التقريب للتقنية الرقمية، تخيل مثلا أنني أكتب لك هذا المقال بالورقة والقلم، وكان عليّ أن أقدمه للمجلة صحيحا من أي خطأ، فهذا يعني أنني لو أخطأت في حرف واحد لاضطررت للكتابة من أول وجديد!! أما لو كتبته على "الكومبيوتر"، فسوف يمكنني إجراء عشرات التعديلات بالحذف والإضافة، ويظل المقال مرتبا بدون أخطاء. إن تلك المراجعة الفورية هي إحدى مزايا التقنية الرقمية، فعندما كان يتم التصوير على السليولويد، لم يكن أمام المخرج فرصة لمراجعة اللقطات سوى أن ينتظر تحميضها وطبعها، لكنه مع التقنية الرقمية يستطيع مراجعتها في التو واللحظة، وهذا ما دعا مثلا مخرجا مخضرما عُرف بالتدقيق الشديد مثل سيدني لوميت، إلى استخدام التصوير الرقمي في آخر أفلامه "قبل أن يعرف الشيطان بموتك"، وليستخرج من الممثلين إيثان هوك وفيليب سيمور هوفمان أفضل ما لديهما من أداء. ولعل مرحلة التصوير الرقمي بالذات هي التي أتاحت للمخرجين إمكانات هائلة، بالمقارنة مع القدرات المحدودة لشريط السليولويد، منها مثلا أن الكاميرا العادية لا تستطيع استيعاب أكثر من عشر دقائق من التصوير المتصل، وإذا كان فيلم هيتشكوك "الحبل" – الذي تم تصويره بالسليولويد - قد بدا أنه لقطة واحدة متصلة، فإن ذلك قد تحقق بواسطة الخدع، بينما استطاعت السينما الرقمية أن تصنع فيلما مثل "الطوف الروسي"، الذي يمتد أكثر من ساعة ونصف في متحف "الإرميتاج"، ليصبح استعراضا لمجمل التاريخ الروسي في لقطة واحدة متصلة دون قطع واحد، اشترك في تمثيلها مئات الممثلين!! من جانب آخر تمكن فيلم "تايم كود" (شفرة الزمن) من تسجيل أربع لقطات متصلة تدور في وقت واحد في أماكن مختلفة (فيما يشبه شاشات المراقبة)، وعرضها معا ليحقق تشويقا من نوع غريب. وإذا كان التصوير الرقمي يُتهم أحيانا بأنه لا يرقى لدقة التصوير "الفوتوغرافي" على السليولويد"، فإن الدقة التقنية للتصوير الرقمي تتضاعف كل عام، ولن يكون من الغريب أن يتفوق قريبا على التصوير بالسليولويد. بل إن هذا "العيب" التقني تم استخدامه جماليا في العديد من الأفلام، خاصة تلك التي صنعها المخرج مايكل مان، الذي يفضل التصوير في الأضواء المتاحة حتى في ساعات الليل ذات الضوء الشحيح، لذلك ظهرت مدينة سان فرانسيسكو في فيلمه "ضحية المصادفة" بشكل شبحي، يتلاءم تماما مع أجواء قصة مجرم محترف، أخذ سائقا كرهينة ليطوف معه في المدينة، حيث يريد أن ينفذ خمسة اغتيالات في ليلة واحدة، وليلقى المجرم مصرعه في النهاية في قطار الفجر، حيث لا يلتفت أحد لوجوده إذ يتصورونه نائما!! لكن المونتاج الرقمي هو الذي شهد قفزات تقنية وجمالية لم يكن من الممكن تخيلها، لذلك يتم الآن تحويل "كل" أفلام السليولويد بعد التصوير إلى الشكل الرقمي، بهدف إجراء المونتاج عليها، ثم تطبع منها نسخ العرض بالسليولويد مرة أخرى. لقد كان على المونتير والمخرج أن يعلق في غرفته عشرات الشرائط، يراجعها مرة بعد أخرى، ويقطع ويلصق، ثم يعيد القطع واللصق، في عملية بالغة الإجهاد، ولا تتيح إبداعات جمالية كبيرة. أما الآن فهناك أمام المونتير "أيقونات" على شاشة الكومبيوتر، يعرض هذه أو تلك، ويقطع مونتاجيا بينها ويعيد المونتاج، دون أي قص أو لصق، وليجري عشرات التجارب في زمن قياسي، ودون أن يفقد شيئا من مادة اللقطات على أرضية غرفة المونتاج. وفي هذه المرحلة يمكن إجراء كل ما تعرفه من حيل بصرية، حيث تستطيع أن تضيف مثلا ديكورات لمدينة روما القديمة دون أن تبني ديكورات فعلية كما في فيلم "المصارع" مثلا، وأن تجعل عشرة من "الكومبارس" يظهرون كأنهم مئات في فيلم "ملك الخواتم"، وأن تجسد شخصيات وكائنات لا وجود لها كما في "أفاتار"، وأن تجمع بين ممثل ونمر بنغالي على سطح قارب صغير في "حياة باي"، وأن تحول الصور الحقيقية إلى تحريك لكي تضفي عليها جوا كابوسيا كما في "حياة اليقظة". وربما يقول البعض إن المشكلة الحالية هي أن أغلب دور العرض لا تصلح إلا لعرض شرائط السليولويد، لكن تلك مشكلة تقنية شهدها تاريخ السينما مرات عديدة، وكان على دور العرض أن تتواءم مع التجديد عاجلا أم آجلا، حدث ذلك عند الانتقال من السينما الصامتة إلى الناطقة، أو التحول إلى تقنية الشاشة العريضة. لذلك سوف يأتي اليوم الذي تعرض فيه دور العرض جميعا أفلامها بالتقنية الرقمية، عن قريب من خلال أقراص تشبه ما نعرفه من "دي في دي"، ثم من خلال بث الفيلم عن طريق الأقمار الصناعية من الشركة صاحبة الفيلم إلى دار العرض مباشرة!! هل تغيرت السينما حقا مع حلول التقنية الرقمية؟ تتفاوت الإجابات كثيرا حول تلك المسألة، لكن ما نشهده الآن هو مزيد من ازدهار السينما في العالم كله، وليس غريبا أن التقنيات الرقمية قد جعلت حتى الأفلام "الخيالية" أكثر "واقعية" وإقناعا، وهذا هو السبب في التزايد المتسارع لصنع أفلام الخيال العلمي، والكوارث، والرعب، والأفلام التاريخية والحربية، التي لم تعد تحتاج إلى بناء ديكورات ضخمة باهظة التكاليف، فكل شيء أصبح متاحا بواسطة التقنيات الرقمية. وحتى أفلام الأطفال أصبحت أكثر بهجة، تذكر مثلا فيلم "البحث عن نيمو" (الذي سوف يشهد قريبا جزءا ثانيا)، فتلك القصة الخيالية تدور حول رحلة سمكة أب للبحث عن ابنه، ليخوض مغامرات مثيرة في أجواء عالم البحار، هذا العالم الذي لم يكن ممكنا تجسيده بهذا القدر من الإبهار قبل السينما الرقمية. أخيرا: هل يختفي مصطلح "فيلم" لمجرد اختفاء شريط السليولويد؟ لا نظن، فقد أصبحت الأفلام كائنا حيا له وجوده الخاص به، أيا كان شكل تسجيلها أو طريقة تصويرها وعرضها، وسوف تظل الأفلام دائما مصدر متعة للصغار والكبار، وأداة تشكيل للوعي ليس لها نظير.