Friday, May 13, 2016

فيلم "آلهة مصر"



يبدو عنوان فيلم "آلهة مصر" Gods of Egypt عنوانا واعدا بفيلم جاد، فالأساطير التي ظهرت خلال الحضارة المصرية القديمة، وحاول بها الإنسان أن يجد إجابات على أسئلة حول الكون والوجود والحياة والموت، هذه الأساطير ظلت لزمن طويل ذات تأثير بالغ على حضارات البلدان الأخرى، خاصة الحضارات الزراعية كما في مصر، بل إن كثيرا من الدراسات ظهرت خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، تتبع عناصر الأساطير المصرية القديمة، التي ظهرت أيضا في ديانات أخرى.
للأسف الشديد عليك أن تنسى ذلك كله وأنت تشاهد فيلم "آلهة مصر"، الذي يمكن أن نقول أن وصفه بأنه "فيلم" يحمل قدرا كبيرا من التجاوز، فهو أقرب – بالمعنى الحرفي للكلمة – إلى "لعبة فيديو" ضلت طريقها فظهرت على شاشة السينما، فأفكاره مشوشة ملتبسة حتى على صناع الفيلم أنفسهم، مات سامارا وبيرك شاربلين كاتبين للسيناريو، وأليكس بروياس مخرجا، الذين لم يكلفوا خاطرهم لحظة واحدة بالقراءة حول مادة فيلمهم، ويبدو أنه كان يسيطر عليهم فكرة أن يصنعوا فيلما خياليا ملحميا، على غرار الأفلام الإيطالية في ستينيات القرن الماضي، حول شخصيات أسطورية مثل "ماشيست" أو "هرقل"، وربما أغراهم بذلك أيضا قدرة الكومبيوتر على خلق الديكورات المعقدة والتأثيرات المبهرة، أو التي خيل إليهم أنها كذلك، فأتى فيلم "آلهة مصر" كارثة ملحمية بحق!!
وقد يكون الطريق الأسهل نحو البداية في نقد الفيلم أن نذكر أخطاءه القاتلة العديدة حول عناصر الأسطورة المصرية القديمة الأساسية التي بنى عليها حكايته، وهي أسطورة الثالوث إيزيس وأوزوريس وابنهما حورس، والعم القاتل سيت، والصراع بين حورس وسيت لكى يسترد الابن حقه المسلوب، لكننا سوف نحكي قصته أولا معا، لكي نعرف ما كان يدور في ذهن صناعه عندما قرروا تناول هذه الأسطورة بالغة الأهمية. وسوف تدرك من أول لحظة انشغال المخرج بالبهلوانيات الكومبيوترية، عندما صنع سوقا مزدحما هو أقرب إلى عالم "ألف ليلة وليلة"، وأن يخترع شخصية اللص بيك (بيرنتون ثويتيس)، الذي يذكرك كثيرا بشخصية "لص بغداد" في أفلام هوليوود في ثلاثينيات القرن الماضي.
إن بيك يسرق ثوبا غالي الثمن لكي يهديه إلى حبيبته الفقيرة زايا (كورتني إيتون)، وهذا الخط الدارمي الذي يتضمن إنسانا فانيا لا علاقة له بالأسطورة، وإن كان من الممكن التسامح فيه إن كانت له ضرورة درامية ما، وهي كما سوف يتضح ضرورة واهية تماما، بل إنها قد تقلل أيضا من عمق وجدية الصراع المحوري. يتجلى هذا الصراع في المشهد التالي، إن الملك الطيب أوزوريس (برايان براون) يقرر أن ينصب ابنه حورس (نيكولاي كوستر والداو) ملكا، في حضور آلاف الرعايا من الشعب، ووجود باهت تماما لأهم عناصر الأسطورة الأصلية، وهي الأم إيزيس (راشيل بليك)، التي تكاد ألا يكون لها أي تأثير!
يقطع الأخ الشرير سيت (جيرارد باتلر، وهو يعيد شخصيته في فيلم "300 إسبرطي") حفل التنصيب، ويقتل أخاه أوزوريس لكي ينتزع منه حكم البلاد، ناهيك عن أنه يعلن أن من يريد الحياة الآخرة بعد الموت عليه أن يدفع ثروة طائلة لا يقدر عليها الفقراء. وعلى الفور تبدأ معركة طاحنة بين سيت وحورس، هي لعبة فيديو كاملة الشروط، فبوصفهما إلهين فإنهما يملكان القدرة على التحول إلى وحوش ضارية، تتقاتل وتنزف دماء ذهبية ليست كدماء البشر. وتنتهي المعركة بانتصار سيت، الذي يقتلع عيني حورس من محجريهما فيصير أعمى، ليقرر بتأثير الهزيمة وفقدان البصر أن يعتزل العالم، ويغيب عن الوعي معظم الوقت بتأثير الخمر.
وهكذا يفرض سيت حكمه على الناس في دنياهم وأخراهم، ويحولهم إلى عبيد وإماء، حيث تصبح زايا رقيقا تخدم في بيت كبير المعماريين، وعندما يحاول اللص بيك تحريرها فإنها تلقى مصرعها. وهنا تبدأ رحلة تحالف بيك وحورس، فالأول يريد من الثاني أن يستعيد حبيبته من الموت، مقابل أن يسرق عينيه اللتين انتزعهما سيت، وأخفاهما في مكان يحتشد بالمخاطر، لتبدأ لعبة فيديو أخرى يمضي فيها بيك وسط الأهوال، ولا ينجح في النهاية إلا في استعادة عين واحدة، يعطيها لحورس الذي يسترد جزءا من بصره، ويكون على استعداد للصراع من جديد مع عمه القاتل الشرير سيت، وأن ينقذ زايا قبل أن تعبر من البوابة الأخيرة إلى عالم الآخرة.                                                 
ولكي يبدو الفيلم أكثر تعقيدا، فإنه يدخل إلى الأسطورة آلهة أخرى ليست لها أي علاقة، مثل إلهة الحب هاتور أو حتحور (إيلودي يانج)، التي تنتقل من عشيق إلى آخر حتى أنك لا تدري إلى من يتوجه حبها الحقيقي، فهي قد كانت حبيبة حورس، لكنها أصبحت حبيبة سيت بعد انتصاره، لتقرر مرة أخرى دون سبب مفهوم أن تنضم إلى جانب حورس من جديد. وهناك كبير الآلهة رع (جيفري راش)، الذي يبدو محايدا تجاه أبنئه من الآلهة، لكنه يحاول أن يساعد حورس دون سبب مفهوم أيضا. وهناك أخيرا إله الحكمة توت أو تحوت (شادويك بوزمان)، الذي يصحب حورس في رحلته نحو مواجهة سيت، ولسبب غير مفهوم أيضا يبدو على الشاشة بعيدا كل البعد عن الحكمة، فهو مغرور إلى درجة قد تضحك المتفرج (في كوميديا غير مقصودة من صناع الفيلم!!)، ويكون دوره هو الإجابة على سؤال الوحش إبي الهول، حتى يسمح لهم بالدخول إلى عالم سيت، وهذه ليست تيمة مصرية قدية بأي حال، بل هي إغريقية خالصة.
يذهب الأربعة إذن في رحلة لعبة فيديو ثالثة وطويلة لمواجهة سيت: الآلهة حورس وهاتور وتوت مع الإنسان بيك، ليدخلوا في "مراحل" يقابلون فيها أنواعا مضحكة من الوحوش، تنتهي كما يمكنك أن تتوقع بمبارزة دموية ضارية، بين حورس وسيت، ينتصر فيها الأول على الثاني، ليعيد الخير إلى البلاد، ويستعيد زايا من الموت، لكي تلتقي مع حبيبها بيك، ويعيشون جميعا "في التبات والنبات"!! ما فات من جوهر الأسطورة على صناع الفيلم، ولم يبذلوا أي جهد لفهمه، أن الأسطورة الأوزريسية هي ديانة "شعبية"، تتناقض تماما مع ديانة رع التي يؤمن بها النبلاء، فإذا كان رع هو الشمس، فإن  أوزوريس هو "الأرض" في حالة نماء، ومن هنا يأتي نقيضا سيت، رمز الصحراء الجرداء، وكأن المصري القديم كان يحاول أن يفسر وجوده على شريط زراعي أخضر، تحيطه الصحراء من كل جانب، وإذا كانت الصحراء تهدد الأرض الخصبة أحيانا بالموات، فإن دموع إيزيس زوجة أوزوريس الوفية سوف تأتي بالفيضان، الذي يعيد النماء من جديد.
ومن أهم عناصر الأسطورة تمزيق سيت لجثمان أخيه أوزوريس، وتشتيت تلك الأشلاء في أنحاء البلاد، لكن إيزيس تعيد تجميعها، وتحمل من أوزوريس حملا غامضا، لتنتهي الأسطورة بأن يتولى الابن حورس أمور الدنيا، بينما يتولى الأب أوزوريس أمور الآخرة، حيث يوجد مكان للجميع، لا فرق بين غني وفقير، والثواب والعقاب فيها ليس بالثروة وإنما بأعمال البشر في الدنيا من خير أو شر، وهذا هو السبب في إيمان "الشعب" بهذه الأسطورة، بعد أن كانت الحياة الآخرة مقتصرة على النبلاء فقط، القادرين على تحنيط موتاهم، لكي يعودوا إلى الحياة مرة أخرى.
باختصار فإن الأسطورة الأصلية تلخص لك كيف تتجدد الحياة دائما، تدفن بذرة القمح في الأرض وتظنها قد ماتت، لكنها تعود للحياة من جديد، وهذه الدورة هي التي تعطي الأمل للجميع، الفقراء قبل الأغنياء، في مكافأة من يفعل الخير في الدنيا. هل أحدثك أيضا عن الخلط الذي يصل إلى درجة التشوش أو التزييف في فيلم "آلهة مصر"؟ تأمل على سبيل المثال وجود الأهرام وآثار أخرى يفترض أن الآلهة وجدت قبلها بزمن طويل، أو وجود أفيال (!!) لم تعرفها الحضارة المصرية قط، أو استخدام العجلات الحربية التي لم توجد في مصر إلا بعد خروج الهكسوس الذين كانوا يستخدمونها، ناهيك عن الملابس وألوان بشرة الممثلين، البيض والزنوج، بأردية من الهند أو ربما أيضا تشبه بدل الرقص (!!) في لوحات المستشرقين للجواري.
وفوق ذلك كله هناك تمثيل بالغ الرداءة والابتذال، يبدو أقرب إلى تمثيل مجموعة من الهواة السذج، أو إضافة خطوط درامية لا علاقة لها بالحدوتة، مثل استعادة زايا من الموت، وهي تيمة إغريقية أيضا. وفي النهاية من المؤسف أن يتم التعامل مع أسطورة مصرية قديمة مهمة بهذه الخفة والاستهانة، لمجرد تحويلها إلى لعبة فيديو سقيمة، حتى لو كانت تحمل اسم "آلهة مصر".